السيد محمد باقر الصدر
292
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وهذا الجزاء في القضية الشرطية التي يمثّلها العلم الإجمالي الشرطي غير محدّد ، لا في خبرتي فقط ، بل في الواقع أيضاً ، ولا يمكن حتّى لذات كلّية العلم أن تعيّن الكرة التي كانت تتّصف بالسواد لو كان في الكرات البيض العشر كرة سوداء . وهذان القسمان من العلم الإجمالي الشرطي يختلفان اختلافاً جوهريّاً : فالقضية الشرطية التي يمثّلها العلم الإجمالي من القسم الثاني تتحدّث عن جزاء لا يمكن تعيينه في الواقع حتّى لذات كلّية العلم ، وهذا يعني أنّها لا تتحدّث في الحقيقة عن الواقع ولا تنبئ بنبأ عنه ، وإنّما تعبّر عن استحالة التناقض ، فما دمنا قد افترضنا - في مثال الكرات البيض - أنّ إحدى الكرات العشر سوداء فإنّ ممّا يناقض هذا الفرض أن تكون الكرة 1 بيضاء ، والكرة 2 بيضاء ، و . . . و . . . والكرة 10 بيضاء ، فلا بدّ - على أساس مبدأ عدم التناقض - أن يكون افتراضنا للسواد في إحدى الكرات البيض ، يتضمّن أن تكون الكرة 1 سوداء ، أو الكرة 2 سوداء ، وهكذا . وخلافاً لذلك العلم الإجمالي الشرطي من القسم الأوّل فإنّه ينبئ عن الواقع ويتحدّث عنه بلغة يشوبها الشكّ والترديد ، ولهذا كان بإمكان ذات أكثر علماً منّا أن تتحدّث عن ذلك الواقع نفسه بلغة سليمة من الشكّ والترديد . وهذا الفارق الجوهري بين القسمين يؤدّي إلى القول : بأنّ القسم الثاني من العلم الإجمالي لا يمكن أن يكون أساساً لتقييم درجة الاحتمال ؛ لأنّه ما دام لا يتحدّث عن الواقع ولا يكشف عنه ، فلا يمكن أن تحدّد على أساسه قيمة الاحتمال الذي ينبئ عن الواقع . خلافاً للقسم الأوّل من العلم الإجمالي الشرطي ، فإنّه - نظراً إلى إخباره عن الواقع - يصلح أن يتّخذ أساساً لتقييم الاحتمالات وتحديد درجتها .